
كل يوم، كانت ست كبيرة بتدخل محل جزارة وتطلب 60 كيلو لحمة… لكن لما الشرطة اكتشفت هي بتعمل بالكمية المهولة دي إيه، أهل البلد كلهم اتجمدوا من الرعب. كانت الحاجة ليلى بتدخل محل الجزارة أول ما يفتح، وتطلب من عم عبده يوزن لها ستين كيلو لحمة بقري. عم عبده كان كل مرة يقف والسكينة في إيده، ويبصلها باستغراب. الحاجة ليلى كانت ست بسيطة جدًا، عايشة لوحدها في بيت قديم على أطراف قرية في الصعيد، وطول عمرها كانت بتشتري حتة لحمة صغيرة تكفيها يومين تلاتة.
لكن فجأة، بقت كل يوم تشتري ستين كيلو!
وفي كل مرة كانت تطلع فلوس قديمة من كيس قماش صغير، وتعدها بإيدين بتترعش، وبعدها تاخد الأكياس التقيلة وتمشي بسرعة.
في أول يوم، عم عبده مقدرش يمنع نفسه وسألها
يا حاجة ليلى، هو حضرتك بتعملي عزومة ولا إيه؟ ستين كيلو لحمة مرة واحدة؟
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت
ابني جاي يزورني… وعايزة أعمل له أكلة عمره ما ينساها.
عم عبده ابتسم وقال
ربنا يخليهولك.
لكن في نفس الليلة، حصلت حاجة خلت عم عبده يحس إن فيه سر كبير مستخبي ورا الست دي.
وهو قاعد مع واحد من أهل البلد، جاب سيرة ابن الحاجة ليلى، فسكت الراجل شوية وقال له
ابنها؟
عم عبده قال
أيوه… قالت إن ابنها جاي يزورها.
الراجل بص له باستغراب وقال
يا عم عبده… ابنها محمود مات من سبع سنين.
عم عبده حس بقشعريرة في جسمه.
قال
إنت متأكد؟
رد الراجل
أنا حضرت جنازته بنفسي.
تاني يوم الصبح، قبل حتى ما عم عبده يفتح المحل، لقى الحاجة ليلى واقفة قدام الباب.
طلبت نفس الكمية.
ستين كيلو لحمة.
المرة دي عم عبده كان بيراقبها من غير ما يتكلم.
وهي بتدفع، لاحظ إن إيديها كانت بتترعش أكتر من اليوم اللي قبله.
وبعد ما شالت الأكياس، خرجت بسرعة.
عم عبده قرر يمشي وراها من بعيد.
لكن عند أول طريق ترابي، الحاجة ليلى وقفت فجأة وبصت وراها.
عم عبده استخبى ورا حيطه قديمة.
فضلت واقفة ثواني، وكأنها حست إن حد بيراقبها، وبعدها كملت طريقها.
من اليوم ده، الخبر انتشر في القرية.
كل يوم ستين كيلو لحمة.
وبعدها تختفي في نفس الاتجاه.
ناس قالت إنها بتطعم كلاب كتير.
وناس قالت إنها بتبيع اللحمة في السر.
وواحد قال
يمكن الست فقدت عقلها بعد موت ابنها.
لكن محدش كان قادر يفسر ليه كل الأكياس كانت بتروح ناحية سفينة قديمة مهجورة موجودة عند طرف الغابة.
السفينة كانت متسابّة من سنين، ومحدش من أهل البلد كان بيقرب منها.
أبوابها مصدية، وشبابيكها مكسورة، والناس كانت بتقول إن المكان ده مهجور من زمان.
وفي اليوم الرابع، عم عبده شاف حاجة خلته ياخد قرار صعب.
كان واقف قدام المحل، وشاف الحاجة ليلى وهي بتحط أكياس اللحمة في عربية نص نقل قديمة.
لكن قبل ما العربية تتحرك، وقع كيس على الأرض.
الكيس اتقطع.
وظهرت على الأرض بقعة دم كبيرة.
عم عبده اتصدم.
الحاجة ليلى جريت على الكيس، لمّت اللحمة بسرعة، وبصت له بنظرة خوف.
عم عبده قال
يا حاجة… إنتِ بتودي اللحمة دي فين؟
لكنها ما ردتش.
ركبت العربية ومشيت.
في اللحظة دي، عم عبده طلع تليفونه واتصل بالشرطة.
بعد أقل من ساعة، وصلت قوة من مركز الشرطة.
كان معاهم المقدم أحمد والنقيب كريم وعدد من رجال المباحث.
حكايات_شروق_خالد
حصري
وصلوا للمكان اللي عم عبده وصفه لهم.
وأول ما قربوا من السفينة المهجورة، شموا ريحة غريبة جدًا.
ريحة تقيلة ومقرفة طالعة من جوه.
دخلوا المكان بحذر.
على الأرض كانوا شايفين آثار دم.
أكياس لحمة ممزقة.
وبقع غامقة منتشرة على الأسمنت.
وفي آخر الممر، كان فيه باب حديد ضخم.
الباب كان مقفول من الداخل.
المقدم أحمد خبط بقوة.
شرطة! افتحي الباب!
مفيش رد.
خبط تاني
افتحي الباب فورًا!
فجأة سمعوا صوت حاجة وقعت من جوه.
-
كيفية بناء العضلات للمبتدئينمايو 24, 2026
-
صفقات النادي الأهلي الجديدةأغسطس 11, 2024
-
حقيقه مـرض الفنان محمد فؤادأغسطس 8, 2024
وبعدين صوت ست بتبكي.
كسروا الباب ودخلوا.
كانت الحاجة ليلى واقفة في آخر المكان.
وشها أبيض زي الشمع.
إيديها مليانة دم.
وعينيها مليانة رعب.
بص لها المقدم أحمد وقال
إيه اللي بيحصل هنا؟
لكنها قربت منه وهي بتترعش، وحطت إيدها على بقه وهمست
أرجوك… ما تدخلش أكتر.
المقدم أحمد بص للنقيب كريم.
الكل سكت.
لأن خوف الست كان حقيقي.
ومش خوف واحدة خايفة تتقبض عليها…
كان خوف واحدة شايفة حاجة مرعبة ومش قادرة تقولها.
النقيب كريم رفع الكشاف وبدأ يبص جوه الغرفة المظلمة.
خطوة…
وبعدها خطوة تانية…
وفجأة وقف مكانه.
وشه اتغير.
قال بصوت منخفض
يا فندم…
المقدم أحمد قرب منه
في إيه؟
النقيب كريم ما ردش.
بس رفع الكشاف ناحية آخر الغرفة.
المقدم أحمد وجه الكشاف في نفس الاتجاه…
وفي اللحظة دي، كل اللي دخلوا المكان وقفوا مكانهم.
محدش قدر يتكلم.
لأن اللي شافوه جوه الغرفة…
كان أسوأ بكتير من كل اللي كانوا متخيلينه.
حكايات_شروق_خالد
حصري
شكرًا من قلبي لكل حد بيقرأ، ووجودكم هو أجمل دافع ليا.
ساد الصمت داخل الغرفة.
المقدم أحمد فضل ثابت مكانه، والكشاف في إيده بيتحرك ببطء على الجدران.
أما النقيب كريم، فكان واقف جنب الباب، وشه شاحب وعينيه مثبتة على شيء في آخر الغرفة.
قال أحمد بصوت منخفض
كريم… اتكلم.
بلع كريم ريقه وقال
يا فندم… إحنا لازم نخرج الحاجة ليلى من هنا الأول.
الحاجة ليلى صرخت
لا!
الجميع بص لها.
قالت وهي بتبكي
لو خرجتوني… هم هيعرفوا إنكم وصلتوا للمكان.
المقدم أحمد قرب منها
مين هم؟
لكنها سكتت.
أحمد كرر السؤال
مين اللي بتتكلمي عنهم يا حاجة ليلى؟
رفعت عينيها له، وقالت
الناس اللي كانوا بييجوا هنا بالليل.
النقيب كريم اتوتر
مين الناس دي؟
الحاجة ليلى هزت رأسها وقالت
أنا معرفش أسماءهم… بس ابني كان عارفهم.
الجملة وقعت على الجميع كالصاعقة.
أحمد قال
ابنك محمود؟
هزت رأسها.
أيوه.
اقترب كريم من المكان اللي كان بيبص عليه، ورفع الكشاف مرة تانية.
المقدم أحمد مشي وراه.
وهناك اكتشفوا إن الغرفة لم تكن مخزنًا للحمة فقط.
كان فيها سرير قديم، وبطانية، وكرسي، وبعض الأدوية، وأطباق طعام فارغة.
والأغرب…
إن كل شيء كان مرتبًا وكأن شخصًا ما يعيش في المكان منذ فترة.
أحمد التفت للحاجة ليلى
مين عايش هنا؟
ليلى بدأت تبكي.
أنا.
كريم قال بدهشة
إنتِ؟!
أيوه… من سبع سنين.
أحمد عقد حاجبيه
يعني إيه من سبع سنين؟
نظرت ليلى إلى الأرض، وقالت
من يوم ما مات محمود.
سكت الجميع.
ثم أضافت بصوت مكسور
أنا ماكنتش بشتري اللحمة علشان آكلها… كنت بجيبها علشان أطعم ناس.
أحمد سأل بسرعة
ناس مين؟
وقبل ما تجاوبه…
جاء صوت من آخر الممر.
خطوة.
ثم خطوة ثانية.
الجميع التفت ناحية الباب.
كريم رفع سلاحه وقال
مين هناك؟!
لم يرد أحد.
ثم سمعوا صوت مفتاح بيلف في قفل باب خارجي.
أحمد صرخ
اقفلوا كل المخارج!
رجال الشرطة اندفعوا ناحية الممر.
لكن قبل ما يوصلوا للباب…
سمعوا صوت محرك سيارة بيشتغل خارج السفينة.
ثم انطلقت السيارة بأقصى سرعة.
كريم جرى ناحية النافذة المكسورة، لكنه لم يرَ سوى أضواء خلفية تختفي بين الأشجار.
رجع وهو غاضب
حد كان مستنينا!
المقدم أحمد بص للحاجة ليلى
إنتِ اتصلتي بحد؟
صرخت
والله ما كلمت حد!
ثم فجأة…
وقعت عينيها على الأرض.
كان هناك شيء صغير بجوار الحائط.
مفتاح.
لكنها أول ما شافته، تغير لون وشها تمامًا.
أحمد التقطه وقال
المفتاح ده بتاع إيه؟
ليلى بدأت تهز رأسها بعنف
ما تفتحهش.
إيه اللي وراه؟
أرجوك يا ابني… ما تفتحهش.
لكن أحمد كان قد لاحظ شيئًا آخر.
على المفتاح كانت معلقة قطعة معدنية صغيرة، محفور عليها رقم
17
رفع أحمد عينيه إلى كريم وقال
دور على أي باب عليه رقم 17.
بدأ رجال الشرطة يفتشون المكان.
وبعد دقائق…
جاء أحدهم من آخر الممر وهو ينادي
يا فندم! لقيته!
اتجه الجميع نحوه.
كان هناك باب صغير شبه مخفي خلف مجموعة من الصناديق القديمة.
وفوقه…
نفس الرقم.
17.
الحاجة ليلى انهارت على الأرض.
وقالت وهي تبكي
محمود حذرني… وقال لي مهما حصل، ما أفتحش الباب ده.
أحمد أمسك المفتاح.
وقبل ما يدخله في القفل…
رن هاتف الحاجة ليلى.
نظرت إلى الشاشة.
ولأول مرة منذ وصول الشرطة، ظهر الرعب الحقيقي على وجهها.
أحمد سألها
مين بيتصل؟
لم تجب.
رن الهاتف مرة ثانية.
ثم مرة ثالثة.
أحمد مد يده
هاتيه.
لكن ليلى شدته إلى صدرها وقالت
لو رديت… كل اللي حصل من سبع سنين هيتكرر.
وفي نفس اللحظة…
جاء صوت طرق من خلف الباب رقم 17.
ثلاث طرقات بطيئة.
ثم صوت رجل من الداخل
يا حاجة ليلى… افتحي.
تجمدت ليلى في مكانها.
لأن الصوت…
كان صوت ابنها محمود محدش اتحرك.
حتى صوت أنفاسهم بقى واضح في الممر الضيق.
المقدم أحمد بص للحاجة ليلى، ثم بص للباب.
ده صوت مين؟
ليلى كانت بتبص للباب كأنها شايفة شبح قدامها.
قالت بصوت مبحوح
محمود.
النقيب كريم قرب منها
إنتِ متأكدة إن ده صوت ابنك؟
هزت رأسها بسرعة.
أنا أمه… مستحيل أغلط في صوته.
من خلف الباب جاء الصوت مرة تانية
يا أمي… افتحي.
ليلى بدأت تبكي.
محمود مات من سبع سنين.
أحمد أشار للرجال يثبتوا أماكنهم، ثم قال بصوت حازم
محدش يفتح الباب.
فجأة ساد الصمت.
ثواني مرت…
ثم سمعوا صوت جرّ شيء ثقيل على الأرض من الداخل.
كريم همس
في حد جوه.
أحمد حط إيده على المقبض.
وقبل ما يفتحه، لاحظ ورقة صغيرة مدسوسة تحت الباب.
سحبها ببطء.
كانت الورقة قديمة، ومكتوبة بخط يد.
فتحها.
وفي أول سطر كان مكتوب
لو الشرطة وصلت للمكان، يبقى أنا فشلت.
أحمد رفع عينيه للحاجة ليلى.
الورقة دي بخط محمود؟
ليلى أخذتها منه، وبمجرد ما قرأت السطر الأول، انهارت في البكاء.
أيوه… ده خطه.
كريم قال
بس لو محمود هو اللي كتبها… مين اللي جوه؟
لم تجبه.
أحمد بدأ يقرأ باقي الورقة.
كانت الكلمات قليلة، لكنها أخطر مما توقع
يا أمي، متثقيش في أي حد يقولك إنه جاي ينقذنا. والستين كيلو مش أهم حاجة… أهم حاجة اللي بيحصل بعد ما اللحمة توصل.
أحمد توقف.
رفع رأسه ببطء.
يعني إيه اللي بيحصل بعد ما اللحمة توصل؟
ليلى مسحت دموعها وقالت
أنا معرفش.
كريم قاطعها
لا، إنتِ عارفة.
سكتت.
ثم قالت
أنا كنت بوصل اللحمة للمكان ده… لكن محمود هو اللي كان بيستلمها.
أحمد سأل
وبعد كده؟
كان بيقفل على نفسه جوه.
كل يوم؟
أيوه.
وليه؟
ليلى بصت ناحية الباب.
علشان كان بيحاول يحمي شخص.
كريم اتوتر
مين؟
وقبل ما تجاوب…
صدر من داخل الغرفة صوت ارتطام قوي.
ثم صرخة مكتومة.
أحمد صاح
افتحوا الباب!
ضرب أحد رجال الشرطة القفل، لكن الباب لم يتحرك.
كريم قال
القفل من الناحية التانية!
أحمد تراجع خطوة.
ثم قال
اكسروا الباب.
ضربوا الباب مرة…
ثم مرتين…
وفي الضربة الثالثة انفتح فجأة.
اندفعوا إلى الداخل.
الغرفة كانت شبه مظلمة.
لكن في منتصفها كان هناك كرسي مربوط بحبل.
والكرسي…
كان فاضي.
أما على الأرض، فكان هناك أثر أقدام مبلولة يمتد من الكرسي إلى حائط خلفي.
كريم قرب من الحائط.
يا فندم… هنا!
كان فيه باب سري صغير مفتوح.
أحمد قال
هو هرب من هنا.
لكن الحاجة ليلى كانت واقفة مكانها، تحدق في الأرض.
قالت بصوت مرتجف
مش هو اللي هرب.
أحمد التفت لها
أمال مين؟
رفعت إصبعها ناحية الكرسي.
اللي كان مربوط هنا… مش هو اللي كنا خايفين عليه.
ثم سكتت لحظة وقالت
ده كان الشخص اللي محمود كان بيحاول يحميه.
كريم اتجمد.
يعني الشخص اللي كان هنا اختفى؟
ليلى هزت رأسها.
لأ.
أمال فين؟
رفعت عينيها ناحية الباب السري.
راح لمحمود.
وفجأة…
من جهاز اللاسلكي الخاص بأحد الضباط، خرج صوت مشوش.
ثم صوت رجل يقول بوضوح
ماتدخلوش الممر.
أحمد أمسك الجهاز بسرعة
مين معايا؟
لم يرد أحد.
ثم عاد الصوت
لو دخلتوا… هتعرفوا ليه محمود مات.
وانقطع الاتصال.
نظر أحمد إلى كريم.
ثم إلى الممر السري.
وبدون ما حد ياخد باله…
الحاجة ليلى كانت قد اختفت من الغرفة.
صرخ كريم
الحاجة ليلى فين؟!
لكن ماحدش رد.
وفجأة سمعوا صوت باب حديد بيتقفل من بعيد.
أحمد جرى ناحية الممر.
وقبل ما يدخل، لمح شيئًا على الأرض.
كانت قطعة قماش صغيرة…
وعليها اسم مكتوب بالقلم
محمود أحمد انحنى والتقط قطعة القماش.
كان الاسم المكتوب عليها واضحًا
محمود.
قال كريم
يا فندم، الحاجة ليلى دخلت الممر!
أحمد رفع الكشاف واتجه بسرعة للباب الحديدي.
ورايا.
دخل الضابطان الممر، وتبعهم اثنان من رجال الشرطة.
كان الممر ضيقًا جدًا، والجدران مليانة آثار رطوبة قديمة.
كلما تقدموا، كانوا يسمعون صوت خطوات أمامهم.
لكن الغريب…
إن الخطوات كانت تتوقف كلما توقفوا.
كريم همس
في حد بيمشي قدامنا.
أحمد أشار له بالصمت.
وبعد أمتار، ظهر ضوء خافت في نهاية الممر.
اقتربوا بحذر.
كان المكان عبارة عن غرفة صغيرة فيها طاولة خشب قديمة.
وفوق الطاولة…
كانت هناك عشرات الدفاتر.
أحمد فتح أول دفتر.
أسماء.
تواريخ.
وأمام كل اسم رقم.
كريم قلب الصفحات بسرعة وقال
يا فندم، دي مش سجلات بيع لحمة.
أحمد بص له
عارف.
في الصفحة الأخيرة وجدوا اسمًا جعل الاثنين يتجمدان.
محمود ليلى.
وبجواره تاريخ وفوقه كلمة واحدة
اختفاء.
كريم قال
يعني محمود ما ماتش بالطريقة اللي الناس قالت عليها؟
قبل أن يرد أحمد، سمعوا صوتًا من خلفهم
هو ما ماتش يومها.
استداروا بسرعة.
كانت الحاجة ليلى واقفة عند مدخل الغرفة.
لكنها لم تكن وحدها.
كان خلفها رجل مسن يحمل مصباحًا صغيرًا.
أحمد رفع سلاحه
ارفع إيدك!
الرجل رفع يديه بهدوء وقال
لو كنت عايز أضركم، ماكنتش استنيتكم توصلوا لهنا.
أحمد قال
إنت مين؟
الرجل نظر للحاجة ليلى، ثم قال
أنا آخر واحد شاف محمود قبل ما يختفي.
كريم تقدم خطوة
إنت اللي كنت بتكلمه من جوه الباب؟
الرجل هز رأسه
لأ.
أمال مين؟
الرجل سكت.
ثم قال
الصوت اللي سمعتوه كان تسجيل.
أحمد عقد حاجبيه
تسجيل؟
أيوه.
ثم أشار إلى جهاز صغير فوق الطاولة.
محمود سجله قبل سبع سنين.
ليلى بدأت تبكي.
أحمد قال
وليه كنتوا بتخفوا الموضوع كل السنين دي؟
الرجل رد
لأن محمود اكتشف حاجة محدش كان المفروض يعرفها.
إيه هي؟
الرجل نظر للدفاتر.
كان فيه ناس بتدخل المكان ده بالليل… ومش كلهم كانوا غرباء.
كريم قال
مين؟
لكن الرجل لم يجب.
بدلًا من ذلك، مد يده إلى آخر درج في الطاولة، وأخرج ظرفًا بنيًا.
وضعه أمام أحمد.
محمود قال لي أسلمه للشرطة لو حصل يوم ودخلت هنا قوة رسمية.
أحمد فتح الظرف.
في داخله صورة قديمة.
رفعها أمام الضوء.
كان فيها محمود واقفًا أمام السفينة.
وبجواره…
المقدم أحمد نفسه.
تجمد أحمد مكانه.
كريم بص للصورة ثم بص له.
يا فندم… إنت كنت هنا قبل كده؟
أحمد لم يرد.
لأن الصورة كانت مؤرخة قبل سبع سنوات.
في نفس الأسبوع الذي مات فيه محمود.
وفجأة…
صدر صوت من جهاز التسجيل على الطاولة.
صوت محمود.
واضح جدًا
لو سمعت الرسالة دي يا أمي… يبقى الشخص اللي قدامك مش لازم تثقي فيه.
ثم توقف التسجيل لثانيتين.
وعاد صوت محمود
خصوصًا لو كان اسمه أحمد.
كل العيون اتجهت ناحية المقدم أحمد.
أما الحاجة ليلى…
فقالت بهدوء لأول مرة
علشان كده أنا اتصلت بالشرطة.
كريم سألها
ليه؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
علشان كنت مستنية اليوم اللي أحمد نفسه يدخل السفينة.
ساد الصمت.
ثم فجأة انطفأت كل الأنوار.
وفي الظلام…
سمعوا صوت باب بيتقفل.
وبعده صوت محمود مرة أخرى
دلوقتي… نقدر نبدأ الحساب ظل أحمد واقفًا على أول درجة.
لأول مرة منذ وصوله للمكان، ظهر التردد على وجهه.
كريم قرب منه وقال
يا فندم… لو المكان ده معمول علشان يستدرجك، يبقى لازم نرجع.
أحمد هز رأسه
لو رجعنا دلوقتي، مش هنعرف مين اللي بيحرك كل ده.
الحاجة ليلى كانت تبص للسلم، ودموعها بتنزل من غير صوت.
قالت
أنا استنيت سبع سنين علشان أوصل للحظة دي.
أحمد بص لها
إنتِ كنتِ عارفة إننا
هنلاقي السلم؟
قالت
محمود هو اللي علمني.
كريم سألها
إمتى؟
قبل موته بأيام.
الرجل الغامض تدخل
محمود ماقالش لها كل حاجة. قال لها بس تعمل اللي طلبه منها.
أحمد التفت إليه
وإنت عرفت منين؟
الرجل سكت.
أحمد اقترب منه
إنت مش أخو محمود، صح؟
الرجل رفع عينيه ببطء.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
أخيرًا سألت السؤال الصح.
كريم رفع سلاحه
انطق!
الرجل قال
أنا كنت شريكه.
شريكه في إيه؟
في محاولة كشف الحقيقة.
أحمد قال
حقيقة إيه؟
الرجل أخرج ورقة أخرى من جيبه.
الحقيقة اللي خلت محمود يختفي.
فتح الورقة.
كانت خريطة قديمة للسفينة.
وأشار إلى جزء في أسفلها.
هنا.
كريم قال
إيه الموجود هنا؟
الرجل رد
غرفة ماحدش يعرف عنها غير أربعة أشخاص.
أحمد سأله
مين الأربعة؟
الرجل رفع أربعة أصابع.
محمود… الحاجة ليلى… أنا…
ثم نظر مباشرة إلى أحمد.
وإنت.
ساد الصمت.
أحمد قال
أنا عمري ما شفت محمود قبل القضية دي.
الرجل رد
دي المشكلة.
ثم بدأ ينزل السلم.
لأنك شفتَه… بس مش فاكر.
أحمد تبعه.
كل درجة كانوا ينزلوا فيها، كان الهواء أبرد.
وفي النهاية وصلوا إلى ممر تحت الأرض.
كان فيه باب حديدي ضخم.
وفوق الباب لوحة صغيرة مكتوب عليها
17
كريم همس
إحنا رجعنا لنفس الرقم.
الحاجة ليلى مدت إيدها نحو الباب.
لكن قبل ما تلمسه…
سمعوا صوتًا من الداخل
ماما.
ليلى شهقت.
الصوت تابع
لو إنتِ فعلًا جيتي مع الشرطة… افتحي.
أحمد نظر للرجل الغامض.
الرجل قال
افتحي.
إنت متأكد؟
المرة دي… أيوه.
أحمد أعطى الإشارة.
فتح أحد الضباط الباب ببطء.
الغرفة كانت مظلمة.
لكن في المنتصف كان هناك جهاز تسجيل يعمل.
اقترب أحمد.
وضغط زر التشغيل.
خرج صوت محمود
أنا عارف إنكم هتوصلوا هنا في يوم من الأيام.
ثم صمت.
وبعدها قال
بس قبل ما تكملوا… لازم تعرفوا إن الستين كيلو لحمة مش كانت بتروح هنا علشان الأكل.
كريم قال
أمال كانت بتروح لمين؟
التسجيل تابع
كانت بتوصل لناس محتاجين.
أحمد قطب حاجبيه.
ثم جاء صوت محمود مرة أخرى
لكن اللي كان بيستلمها… كان بيحط معاها رسائل.
الرجل الغامض أغمض عينيه.
الحاجة ليلى قالت
الرسائل اللي فيها أسماء الناس.
أحمد التفت لها
أي ناس؟
لم تجب.
وفجأة سمعوا صوت ورق بيتقلب خلفهم.
استداروا.
كان أحد رجال الشرطة واقفًا عند صندوق خشبي.
فتح الصندوق.
وجد بداخله عشرات الملفات.
أخرج أول ملف.
على الغلاف كان مكتوبًا
القرية 7 سنوات.
ثم فتحه.
تغير وجهه.
يا فندم…
أحمد اقترب.
الملف كان يحتوي على صور وأسماء وتواريخ.
لكن بين كل الأسماء…
كان هناك اسم واحد متكرر.
أحمد.
كريم بص للمقدم.
إنت كنت بتعمل إيه هنا من سبع سنين؟
أحمد لم يجد إجابة.
وفي اللحظة نفسها…
انغلق باب الغرفة خلفهم بقوة.
ثم انطفأت الأنوار.
ومن الظلام جاء صوت شخص قريب جدًا
دلوقتي يا حضرة المقدم…
توقف لحظة.
ثم قال
فاكر أول مرة قابلت محمود؟
أحمد تجمد.
لأنه بدأ فجأة يتذكر…
مشهدًا قديمًا.
مكانًا.
صوت محمود.
ووجهًا كان يظن أنه نسيه منذ سبع سنوات.
ثم قال أحمد بصوت مرتجف
أنا… كنت هنا.
وفجأة أضاءت لمبة صغيرة في سقف الغرفة.
وكان أمامهم على الحائط…
صورة جماعية قديمة.
وفي منتصف الصورة كان محمود واقفًا.
وبجواره أحمد.
لكن الشخص الواقف في الطرف الآخر من الصورة…
كان شخصًا لم يتوقع أحد أن يراه.
ليلى أول ما شافته…
صرخت
إنت؟!انطفأت الأنوار بالكامل.
ثواني من الصمت مرّت، لكن بعدها بدأ صوت صفارة إنذار حادّة يملأ الممر.
كريم صرخ
يا فندم!
الكل مكانه! محدش يتحرك!
أحمد أخرج الكشاف الصغير من جيبه، لكن قبل ما يشغله، سمع صوت الحاجة ليلى
متشغلوش النور!
أحمد قال بعصبية
ليه؟
علشان هو مستني النور.
فجأة سمعوا صوت ارتطام قوي في آخر الممر.
كريم وجه سلاحه ناحية الصوت.
مين هناك؟!
جاء صوت رجل
أنا مش عدوكم.
أحمد صاح
اظهر!
وببطء ظهر رجل من الظلام.
كان في منتصف الخمسينات، وملابسه متسخة بالطين، وفي إيده دفتر قديم.
نظر للحاجة ليلى وقال
اتأخرتي.
ليلى ردت
كنت مضطرة.
أحمد اقترب منه
إنت مين؟
الرجل بص له للحظات، ثم قال
أنا أخو محمود.
كريم اتصدم
أخو محمود؟! بس الحاجة ليلى قالت إن محمود ابنها الوحيد!
ليلى أغمضت عينيها.
ثم قالت
أنا قلت للناس كده… علشان أحميه.
أحمد قال
يعني محمود عنده أخ؟
الرجل رد
عنده أخ… لكن مش بالاسم اللي تعرفوه.
ثم فتح الدفتر.
ومحمود كان بيحاول يوصل للحقيقة قبل ما يختفي.
أحمد مد يده للدفتر، لكن الرجل سحبه بسرعة.
مش دلوقتي.
ليه؟
لأن في حد برا الغرفة عارف إننا فتحنا الباب.
كريم اتجه ناحية الممر.
مفيش حد.
الرجل ابتسم
إنت متأكد؟
في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات فوقهم.
خطوة…
ثم خطوة…
ثم صوت كرسي بيتحرك.
أحمد رفع رأسه.
في دور تاني فوق السفينة؟
الرجل قال
مش دور.
ثم أشار للسقف.
في غرفة مخفية.
كريم قال
إزاي نوصل لها؟
الرجل بص للحاجة ليلى.
ليلى تقدمت ناحية الحائط، ووضعت يدها على حجر صغير.
ضغطت عليه.
فصدر صوت طقطقة.
وانفتح جزء من الجدار.
ظهر سلم ضيق نازل إلى أسفل.
كريم بص بدهشة
إحنا كنا فاكرين إننا تحت السفينة أصلًا.
ليلى قالت
لأن المكان ده أقدم مما تتخيلوا.
أحمد بدأ ينزل أول درجة.
لكن قبل ما ينزل، الرجل أمسك ذراعه.
استنى.
إيه؟
الرجل أشار إلى أول درجة.
كان عليها ظرف صغير.
أحمد فتحه.
وجد داخله ورقة واحدة.
قرأها بصوت مرتفع
إلى المقدم أحمد…
توقف.
نظر للجميع.
ثم أكمل
لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنت أخيرًا رجعت للمكان اللي بدأت منه كل حاجة.
كريم قال
يا فندم…
لكن أحمد لم يرد.
لأن أسفل الرسالة كانت هناك جملة أخيرة
واسأل نفسك… ليه محمود كان عارف إنك هترجع بعد سبع سنين بالضبط؟
ساد الصمت.
ثم سمعوا صوتًا من أسفل السلم.
صوت شاب.
هادئ.
واضح.
ماما…
الحاجة ليلى شهقت.
محمود؟
وجاء الصوت مرة ثانية
أنا مستنيكي.
ليلى اندفعت ناحية السلم.
أحمد أمسك ذراعها
استني!
صرخت
سيبني! ده ابني!
لكن الرجل الغامض قال بهدوء
ده مش محمود.
تجمدت ليلى.
إنت متأكد؟
قال
لأن محمود كان عنده علامة في صوته…
ثم سكت.
وفجأة جاء الصوت من أسفل السلم مرة أخرى
ماما… متصدقيهوش.
الحاجة ليلى بدأت تبكي.
لأن الجملة دي…
كانت بالضبط نفس الجملة التي كان محمود يقولها لها كل مرة يخاف عليها.
وفي اللحظة نفسها، ظهر ظل شخص على الحائط أسفل السلم.
كان واقفًا…
ينتظرهم.
ثم قال
انزلوا… وهتعرفوا الحقيقة.
أحمد شد قبضته على سلاحه.
وبدأ ينزل أول درجة.
لكن قبل ما يضع قدمه على الثانية…
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
المكالمة كانت من رقم مجهول.
ضغط على الرد.
لم يتكلم أحد.
فقط سمع صوت تسجيل قديم
يا أحمد… لو سمعت صوتي، يبقى أنت وقعت في الفخ.
ثم انقطع الاتصال.
أحمد رفع عينيه ناحية السلم.
وفي تلك اللحظة فقط…
فهم أن دخوله السفينة لم يكن مصادفة.
كان هو الهدف من البداية انفتح الباب على آخره.
الجميع رفع سلاحه في نفس اللحظة.
كان الواقف أمامهم العمدة.
وفي إيده حقيبة جلدية قديمة.
كريم صرخ
ارفع إيدك!
العمدة رفع الحقيبة بدل إيديه وقال
مش جاي أأذي حد.
أحمد قال بحدة
حط الحقيبة على الأرض.
العمدة نفذ الأمر ببطء.
ثم نظر للحاجة ليلى.
لسه بتنفذي وصية محمود؟
ليلى ردت بصوت مرتعش
إنت عارف إنه كان عايش.
العمدة سكت.
أحمد اقترب منه
اتكلم.
العمدة تنهد وقال
محمود ما ماتش بالطريقة اللي اتقالت لكم.
كريم سأله
فينه؟
العمدة بص للأرض.
ماعرفش.
أحمد أمسكه من ذراعه
كفاية كذب!
العمدة قال بسرعة
أنا آخر واحد شافه قبل اختفائه.
ثم أشار للحقيبة.
والحقيبة دي هي السبب.
أحمد فتحها.
كانت مليانة أوراق وصور قديمة.
لكن في القاع كان فيه ظرف أبيض صغير.
عليه اسم واحد فقط
ليلى.
الحاجة ليلى مدت إيدها، لكن أحمد منعها.
أنا هفتحه.
فتح الظرف.
في داخله رسالة قصيرة.
بدأ يقرأ
يا أمي، لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى العمدة رجع للحقيقة.
ليلى شهقت.
أحمد كمل
وما تصدقيش أي حد يقول لك إني مت.
ثم كانت هناك جملة جعلت الجميع يتجمد
أنا عايش.
سقطت الورقة من يد أحمد.
كريم قال
إنت قلت إنه مختفي من سبع سنين!
العمدة رد
كان مختفي… لكن مش ميت.
الحاجة ليلى بدأت تبكي
فين ابني؟
العمدة لم يجب.
أحمد أمسكه من كتفه
فين محمود؟
العمدة قال
لو عرفتم مكانه دلوقتي، هتخلوه في خطر.
إحنا شرطة.
وده بالضبط سبب خوفي.
فجأة رن هاتف العمدة.
نظر للشاشة.
تغير وجهه.
أحمد لاحظ ذلك.
مين؟
العمدة لم يرد.
رن الهاتف مرة أخرى.
هذه المرة ظهر على الشاشة اسم
محمود.
الحاجة ليلى شهقت.
ابني!
مدت يدها للهاتف.
لكن العمدة منعها.
ماترديش.
أحمد قال
رد.
العمدة هز رأسه
لو رديت، هيعرفوا إننا لقينا الحقيبة.
أحمد خطف الهاتف وضغط على الإجابة.
لم يسمع أحد شيئًا.
ثم جاء صوت شاب من الطرف الآخر
ماما موجودة؟
ليلى بدأت تبكي
محمود؟!
الصوت قال
ماما… أنا آسف.
ثم انقطع الخط.
أحمد حاول الاتصال مرة أخرى.
الهاتف أصبح مغلقًا.
كريم بص للعمدة
كان بيتصل منين؟
العمدة قال
من المكان اللي محدش يقدر يوصل له.
فين؟
العمدة رفع عينيه نحو السقف.
تحتنا.
ساد الصمت.
أحمد فهم فجأة.
في أنفاق تحت السفينة.
العمدة هز رأسه.
وفيها محمود.
الحاجة ليلى تقدمت نحو الباب
وديني له.
العمدة قال
لسه بدري.
لكن قبل ما يكمل…
اهتزت الأرض تحت أقدامهم.
سقطت بعض الصناديق.
ثم سمعوا صوت ارتطام قوي من أسفل.
كريم صاح
في حد تحتنا!
أحمد أمسك الكشاف ووجهه للأرض.
كان هناك شق صغير ظهر بين بلاطات الأسمنت.
ومن خلاله…
وصلهم صوت ضعيف جدًا.
صوت رجل يصرخ
ماما!
ليلى جرت ناحية الأرض.
محمود!
ثم جاء صوته مرة أخرى
ماما… ماتخليش أحمد ينزل!
أحمد تجمد.
كريم بص له.
والعمدة تراجع خطوة.
ثم فجأة…
ظهر تحت الشق ظل شخص آخر.
كان واقفًا بجوار محمود.
وصوت غريب قال
لو أحمد نزل… محمود مش هيطلع.
الحاجة ليلى حطت إيدها على بوقها.
أما أحمد…
فأدرك أن هناك شخصًا آخر في النفق.
شخصًا كان يعرفه منذ سبع سنوات.
وشخصًا لم يكن اسمه موجودًا في أي ملف صرخة الحاجة ليلى دوّت في الغرفة.
كل العيون اتجهت ناحية الشخص الموجود في الصورة.
كان رجلًا يعرفه أهل القرية جيدًا…
عمدة القرية.
كريم بص للصورة ثم قال
العمدة؟!
الحاجة ليلى كانت بتترعش.
أيوه… هو.
المقدم أحمد فضل ساكت، كأنه بيحاول يجمع قطع ذاكرته.
قال
الصورة دي اتاخدت إمتى؟
ليلى ردت
قبل اختفاء محمود بأسبوع.
كريم التفت لأحمد
يعني حضرتك كنت تعرف محمود قبل سبع سنين.
أحمد مسك رأسه.
أنا مش فاكر.
فجأة الرجل الغامض قال
لأنك ماكنتش عايز تفتكر.
أحمد رفع عينيه بغضب
إنت بتتهمني بإيه؟
أنا مش بتهمك.
ثم أشار إلى جهاز التسجيل.
محمود هو اللي اتهمك.
ضغط زرًا آخر.
خرج صوت محمود
أحمد مش شرير… لكنه اتورط في حاجة أكبر منه.
أحمد اتنفس ببطء.
ثم تابع التسجيل
ولو وصل اليوم اللي أحمد ينسى فيه كل حاجة، يبقى لازم ترجّعوله ذاكرته.
كريم قال
إزاي يعني نرجع له ذاكرته؟
وفجأة…
انفتح درج صغير في الحائط.
خرج منه شريط تسجيل قديم.
وعليه ورقة مكتوب عليها
شغلوه قدامه.
أحمد قال
شغلوه.
وضع كريم الشريط في جهاز قديم موجود على الطاولة.
خرج صوت تشويش…
ثم أصوات أشخاص بيتكلموا.
صوت محمود
إحنا لازم نوقف الموضوع.
صوت رجل آخر
لو وقفت، ناس كتير هتتأذي.
محمود
أنا مش هسمح لهم يكملوا.
ثم جاء صوت ثالث.
أحمد بمجرد ما سمعه…
تجمد.
كان صوت العمدة.
محمود، آخر مرة بقولك… ابعد.
ثم جاء صوت أحمد نفسه
سيبه يا محمود… الموضوع أكبر منك.
كريم بص له بصدمة.
لكن أحمد قال
أنا مش فاكر الكلام ده.
استمر التسجيل.
محمود قال
لو حصل لي حاجة، الحاجة ليلى عارفة مكان الملفات.
العمدة قال
والشرطة؟
أحمد رد
الشرطة هتدخل لو حصل خطر.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
صمت ثقيل سيطر على الغرفة.
الحاجة ليلى قالت
محمود ماكانش بيحاول يهرب.
أحمد بص لها
أمال كان بيعمل إيه؟
كان بيحاول يحمي أهل القرية.
كريم سأل
من مين؟
ليلى أشارت إلى الملفات.
من اللي كانوا بيجمعوا أسماء الناس وبيستغلوا خوفهم واحتياجهم.
الرجل الغامض أضاف
ومحمود كان بيجمع الأدلة.
أحمد فتح ملفًا آخر.
وجد أسماء عشرات الأشخاص.
لكن اسمًا واحدًا كان عليه خط أحمر.
محمود.
وتحته جملة
تم إسكاته.
أحمد قلب الصفحة.
وجد صورة لمحمود.
لكن خلف الصورة كان هناك تاريخ.
بعد تاريخ وفاته المعلن بأسبوعين.
كريم قال
مستحيل.
الحاجة ليلى اقتربت ببطء.
أمسكت الصورة.
وبمجرد ما شافتها، قالت
أنا كنت عارفة.
أحمد التفت لها
إنتِ كنتِ عارفة إن محمود كان عايش بعد التاريخ اللي قالوا إنه مات فيه؟
هزت رأسها.
أيوه.
طب ليه سكتي؟
دموعها نزلت.
لأنه هو اللي طلب مني.
طلب منك إيه؟
ليلى رفعت عينيها.
قال لي يا أمي، لو عايزة تفضلي عايشة… كل يوم اشتري ستين كيلو لحمة، وروحي بيها للسفينة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
وما تسأليش مين اللي هيستلمها.
وفجأة…
صدر صوت طرق على الباب.
ثلاث طرقات.
ثم صوت رجل
الحاجة ليلى…
ليلى اتجمدت.
الصوت تابع
الوقت خلص.
أحمد أشار للشرطة بالاستعداد.
ثم سمعوا صوت مفتاح يدخل في القفل من الخارج.
كريم همس
حد هيقتحم المكان.
أحمد رفع سلاحه.
وفي اللحظة التي بدأ فيها الباب يتحرك…
جاء صوت محمود من جهاز التسجيل
لو الباب اتفتح…
توقف التسجيل لثانية.
ثم أكمل
ما تثقوش في الشخص اللي هيكون أول واحد يدخل.
وانفتح الباب ببطء.
وظهر شخص أمامهم…
لكن المفاجأة لم تكن في هويته.
المفاجأة كانت في الشيء الذي كان يحمله في يده لم يستطع أحمد الكلام.
كريم بص إليه ثم إلى الرجل.
يا فندم… حضرتك تعرفه؟
أحمد لم يرد.
الحاجة ليلى كانت تحدق في الرجل وكأنها ترى شخصًا عاد من عالم آخر.
مستحيل…
الرجل قال بهدوء
مش مستحيل يا حاجة.
ثم نظر لمحمود.
قول لها.
محمود اقترب من أمه.
ماما… هو ما ماتش.
ليلى كانت بتترعش.
بس أنا حضرت دفنته.
الرجل ابتسم بحزن.
اللي اتدفن كان شخص تاني.
كريم قال
إنت عايز تقول إن الجنازة كلها كانت تمثيلية؟
الرجل رد
مش تمثيلية.
ثم أشار إلى الصندوق المعدني.
كانت خطة.
أحمد استعاد تماسكه وقال
ليه؟
الرجل بص له مباشرة
علشان ننقذ محمود.
أحمد اقترب
وتخلوا القرية كلها تعتقد إنك مت؟
كان لازم.
من مين؟
الرجل سكت.
محمود قال
من الناس اللي كانوا بيدوروا عليا.
أحمد نظر لمحمود
إنت اختفيت سبع سنين ليه؟
محمود رد
لأني اكتشفت إن اللي قدامي مش مجرد سرقة أو تجارة ممنوعة.
سكت لحظة.
كنت باكتشف شبكة بتستغل أهل القرية وتجمع معلومات عنهم، وتستخدمها لتهديدهم والسيطرة عليهم.
كريم قال
واللحمة؟
محمود ابتسم
كانت وسيلة.
وسيلة لإيه؟
كل شحنة كانت بتوصل لبيت محتاج. لكن جوه كل كيس كان فيه جزء من رسالة.
أحمد عقد حاجبيه.
رسائل مشفرة.
محمود هز رأسه.
بالضبط.
العمدة قال
وكانت الرسائل بتوصلنا لمكان الملفات.
أحمد نظر إليه
يعني إنت كنت شريكهم؟
العمدة قال
كنت بحاول أحميهم.
فجأة جاء صوت ارتطام من آخر الممر.
محمود تغير وجهه.
هم وصلوا.
كريم رفع سلاحه.
مين؟
محمود قال
الناس اللي فضلوا يدوروا عليا سبع سنين.
أحمد قال
كام واحد؟
محمود بص ناحية الظلام.
مش عارف.
ثم سمعوا خطوات كثيرة تقترب.
أحمد أشار للشرطة
استعدوا.
الحاجة ليلى أمسكت يد محمود.
مش هسيبك تاني.
محمود ضغط على يدها.
المرة دي أنا اللي هحميكي.
وفجأة…
انطفأ الضوء.
ثم اشتغل جهاز صغير في الصندوق المعدني.
ظهر على شاشة قديمة رقم يتناقص
10… 9… 8…
كريم صرخ
إيه اللي بيحصل؟!
محمود اندفع ناحية الصندوق.
حد شغّله!
أحمد أمسك ذراعه
اقف!
محمود صرخ
لو الرقم وصل للصفر، كل الملفات هتتحرق!
أحمد بص للشاشة.
7… 6… 5…
كريم قال
نوقفه إزاي؟
محمود قال
المفتاح!
الحاجة ليلى أخرجت المفتاح رقم 17 من جيبها.
محمود نظر إليها.
ماما… إنتِ لسه محتفظة بيه؟
طبعًا.
محمود قال
حطيه في الصندوق!
لكن قبل ما تتحرك…
ظهر شخص من آخر الممر.
ورفع صوته
متعمليش كده!
الجميع التفت.
كان يحمل حقيبة سوداء.
وقال
لأن المفتاح ده مش هيوقف الجهاز…
ثم ابتسم.
هيفتحه المكان كله سكت.
أحمد قرب من الشق في الأرض وقال
إنت مين؟
الصوت من الأسفل
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


